الأديبة المغربية مالكة عسال

مرحباً بـكم بـموقع الأديبة المغربية مالكة عسـال


مالكة عسال وبصمتها الشعرية

يناير 30th, 2009 كتبها مالكة عسال نشر في , دراسات

مالكة عسال وبصمتها الشعرية



قف لحظة
________________________________________
لن نعود إلى الخلف
المعادلة خاطئة
نعيد التركيبة
دع عنك نزق الخوف
ليسكن جرة ماء
يذوب تحت الرواسب
من أنقاض الأمس
فجر اختمارك
ينفذ في صمت
يقتحم غياهب اليوم
ومن البطون نقلع الحقيقة
. . .
قف لحظة
دع العد العكسي
الأجواء حبلى
ستمطر أوردة
تعيد للملامح التوهج
في رجتك تحفر طريقا
بدايته الرفض
ونهايته الغضب
. . .
قف لحظة
لا تدع عينيك تبصرا قفاك
حتى يكسر التوق الأغلال
والحلم بزهر في الأحداق
يمسك الشعلة
يطارد قدميه
يرمي جمرته على الآخر
ويقابل نده في الميدان
. . .
قف لحظة
نتأمل البحر
نكسر في المحار الد معة الحزينة
من غور الكتمان
يتنفس المحجوز
نلوي راية العصيان
وبعد
نحمل المشعل
. . .
قف لحظة
ندرك اللعبة بلا مساحيق
على لوح التحدي
ندخل المعركة
ننازل الممسوخ
ومن الفولاذ
نصنع جدارا يرتق الزوايا
والبساتين تملأ الرقع
. . .
قف لحظة
حتى نفهم لغة الجراد
من حرفها
نركب الكوامن
نبحث في القرار عن السؤال
من حوافره
نستل الجواب
وفي السديم المختلق
نستعيد النور
. . .
قف لحظة
نتمعن اللوحة المغشوشة
نحاصر الألوان الباهتة
في كفها
نضع اللون الأخضر
على الشرفة نرسم سنبلة
تمتشق في الأفق
من منحاها
تتدلى عناقيد الحرية

قال محمد مفتاح المعجم أضعف نقطة في النص وكان يقصد أنه الباب الأول لمخاصرة الدلالة ، وهو حكم صحيح حيث تسكن

المزيد


هلع إيناع الحلم وبُعْد المسافة لنورسين توحدا على ضفاف قرطاج

نوفمبر 19th, 2008 كتبها مالكة عسال نشر في , دراسات

 هلع إيناع  الحلم وبُعْد المسافة لنورسين توحدا  على ضفاف قرطاج

***مدخل

يقول محمد مندور: “على ضوء هذا الفهم لكلمة النقد نستطيع أن ندرك المقصود من تعريف الأدب بأنه نقد الحياة “

فانظلاقا من هذه القولة يتضح أن الأدب عامة، والشعر خاصة،  هو تجربة بشرية نقدية للحياة،  بمجالاتها الواسعة والمتعددة ،بما فيها الحياة الإنسانية، بكل أبوابها الاجتماعية والسياسية والثقافية ،الظاهر منها أو الباطن ،أو مابعد الحياة من مصير، والقوى الإلهية وطوارئ الزمان والمكان ،وما يجري من تفاعلات الكائنات الوجودية، من تآلف وصراع ..ومهمة الأديب ليس الوصف وتعداد عناصر الحياة كما تراها العين المجردة ،وإنما الكشف عن العلاقات الحاصلة بينها ،بعين تأملية تحليلية   ثاقبة ،ثم إعادة ترتيبها على ضوء رؤياه وتصوره الذهني ،انطلاقا من منظوره الخاص ،وطقوسه الفردانية ،وأفقه المعرفي ،والمؤثرات الثقافية سواء التروستية المتوارثة عن الماضي والأجداد ،أو الكارتيلية المكتسبة من الحياة وتجارب العصر ،فمن خلال  هذه القولة ،لي مبادرة اقتحام ديوان “دم ميديا سقف قرطاج لنورسين توحدا على استبصار الحياة،  وهما الشاعران المتميزان التونسية  :ضحى بوترعة ووالعراقي جوتيار تمر..

***العتبة الخارجية

*الغلاف

يجاورالغلاف  بين لونين: الرمادي والأحمر  الداكنين والفاتحين  ،وهي صورة انعكاسية لقرارات النفس ،وما تتملاها من عتمة تتخللها انفراجات أحيانا ،وإيقاعات تعيشها الذات الشاعرة ، انطلاقا من صراعها المرير مع الواقع ، الذي أصبح السبب في تذويب جوهر الإنسان، بسلب سلطته على الطبيعة وتحويله إلى مجرد آلة في يد الاستغلال ، تنتزع منه كافة الملامح الإنسانية غصبا ….

*اللوحة

المتمعن فيها بحدس يجدها تنشطر إلى ثلاثة أجزاء

1- الجزء الأول  الفضاء الذي تتوسطه غيمة ،أو كتلة دخان داكنة ،والدخان كما هو معلوم لايكون دون نار ،وهو ترميز إلى الاحتراق ،احتراق الذات ،أو لغة القتل المتفشية بين البشر، في نار الحروب المشتعلة والمستمرةعلى  إبادة الإنسان ،وجرفه نحو الحتف ..هي صرخة معبرة عن أشياء مؤلمة تتورم في الأعماق …

2- الجزء الثاني القمة أو المرتفع من الأرض يتوسطها شريط أحمر باهت اللون ويعني احتمالين :

- الاحتمال الأول :الصعود إلى القمة أمر مستعص،نظرا لوجود حواجز الخط الأحمر الذي يعني ممنوع التجاوز  ،أي بلغة أخرى هناك ضوابط وثوابت لاقبول تخطيها ،أي ابق حيث أنت  ، ولاتتطلع إلى مبتغى آخر  

- الاحتمال الثاني : السفح والقمة وبينهما شريط أحمر باهت تعني طبقتين من البشر الدنيا والعليا بينهما هوة شاهقة :الطبقة الأولى في السفح تكابد التهميش والجهل والاستغلال والفقر ،تعيش واقعها المرير، بين التردي والإملاق خارج الدائرة والقرار …والطبقة الثانية في القمة بيدها مراكز القرار، المدبرة والآمرة والناهية تعيش واقعها المترف في رخاء وهناء ..ولون الشريط الأحمر الباهت، يعني أن الهوة آخذة في الردم إن عاجلا أو آجلا ،وستصبح الطبقة المهمشة في القمة ،وهذا هو السر الذي دفع عاصفة الكتابة اجتياح الشاعرين ،لترميم هذا الشرخ الحاصل ،والوصول إلى جوهر الإنسان ليعيش الإنسان إنسانا …

3- الجزء الثالث وهو عبارة عن صخور، التي تغوص نضاحتها في غيهب دامس، كلما كانت بعيدة ، وهو رمز للشدائد التي تطفح بها الحياة ،وقساوة الدهر وصروفه المتكالبة ،ومايفرضه من تأزم ،وهي رؤيا تأملية إلى الكائنات الوجودية ،لذات شاعرة  ذات فعل ،ذات وجود ،ذات شعر ….

*العنوان

رباعي يتألف من جملة اسمية :مبتدأ معرف بالإضافة وخبر معرف بالإضافة كذلك  ،صيغ باللون الأحمر القاني …

 -الشطر الأول: دم ميديا صياغة لم توضع اعتباطية مجانية ،وإنما هي مراوغة، لها بعدها الدلالي ، الرامز إلى إراقة الدم إن بفعل التقتيل ،أو بفعل نضالي ،تضحية من أجل العيش بكرامة إنسانية ،أو من أجل الحرية والديموقراطية  أو الوطن ،فهذه العناصر النبيلة يستحق افتداؤها بالدم على حد إصرار الشاعرين …

-الشطر الثاني سقف قرطاج :نقف بداية عند سقف على اختلاف  المواد التي بني بها ، هو  مايحمي ويقي من الأمطار و البرد و الشمس و العواصف أو الرياح ، ،ويُقصَد بها الأجنحة المتظللة الحامية من كل سوء ،و بعدها الدلالي : بالدم والتضحيات والنضال والأرواح تتم حماية الوطن من الغرباء ،من الاحتلال ،من السلب  ..

***المحتوى ،

تَوَحَّدَ الشاعران طقوسا ومشاعر وكتابة ،في شراكة ليبهرانا برائعتهما،

ومسألة الشراكة لم تقتحم مجال  الأدب فحسب ،فقد تسربت أيضا إلى الغناء والفن التشكيلي، بل وحتى الحياة الاجتماعية بين قوسين( الزواج )مثلا ،لتحضير عرس واحد، تتم تكلفته أقل  للفرد  في ظل الجماعة …ومسألة الشراكة دعت إليها عدة أشياء، من جملتها الجانب المادي الذي يثقل كاهل المبدع، حيث يستعصي عليه مجابهة  إخراج عمله إلى النور على انفراد ..ولا ننكر أن لها إيجابيات محمودة ،في نشر ثقافة الحب والثقة والتضامن ،هذه الخصال الآيلة  اليوم نحو الانقراض …

الكتاب صدر في طبعته الأولى الأنيقة ،من مؤسسة المغاربية للطباعة والإشهار ..تحتوي الأضمومة على 93 صفحة ، تتراوح نصوصها مابين القصيرة والقصيرة جدا ،شاء الشاعران أن يخلياها من العناوين تماما ،ويدرجاها في سياق حكائي ،لازمته المتكررة فعل “قال”للغائب بنوعيه ،حيث نتلمس في النص الأول ملمحا للصورة المدرجة على الغلاف ….

***-التيمات 

تتعدد التيمات وتتناسل من منظور الشاعرين ،حسب تصورهما الشخصي  ورؤيتيهما للحياة والكون، ومايكتنفهما من غموض وأسرار مبهمة ،جعلتهما في حيرة ، ولا سند لهما غير الشعر كملاذ ساحر …

*-دور الشعر

الشعر كمؤسس فعلي للإنسانية ،ومُسَكّن للكائن البشري آلامَه ،وبلسم قوي لجراحه ،،له سلطة على تغيير ماهو معتم وغير إنساني ، إلى الحقيقة التي يتوسطها النور ،غير أنه يُسَيّج ويحاصر بآليات القمع ،كي لاتتخطى كلمته النابصة الناهضة الآفاق ،فتشعل وهج التنوير في الأذهان الغافية ،وتحاول تغيير عقلياتها المتحجرة  :

ولم يكن الحرف سوى ذبابة في غرفة مغلقة

ص:46

فعَبَدة الجهل والمصالح الخاصة ،ليس في صالحهم أن ترفل الكلمة الواعية ، لتهدهد الجمود وتجتث المتكرَّس ،فتوقظ سنابل الوعي والتطور، خوفا على مصالحهم وكراسيهم ومنابرهم ،وعليه فالمثقف الحقيقي ،لايسجُد لمثل هذه الترهلات والتعقيدات المُهددة ،بل يتحدى الأسوار المطنبة ليكمل رسالته ،أ ليس هو نبي على حد قول أفلاطون ؟؟؟؟

تعال نطهر القصئد المغلولة من بذخ البعد ..

تنضح الخطيئة تفاحا

ص:44

فالقصيدة هي ملاذ الشاعر الفاتن ، الذي يهرب إليه  من انكسار الروح وإكسير الحياة وينابيع الألم والعذاب. .

تسكب عريك في جحيم اللغة

ص:86

 

*- الموت

تفتطن الذا ت الشاعرة أننا في أزمة الخيبة ،ومسألة الكآبة المنقوعة في دموع الأشياء ،وهاجس الموت الذي يطارد الكائنات الوجودية ،تأتي نظرتها من زاويتها  الخاصة فريدة إلى الموت،وطعم مرارته،فالموت هو  الذي يمنح طعم الإحساس بمتعة الحياة ..وبما أن الموت لايملكه الشاعر،وليست له  سلطة عليه لتدجينه أو التحكم فيه ،يبقى القبض على زمامه بالفعل الشعري،وإعطائه رموزا عديدة ومتنوعة ..

زغب الأمنيات في طفولة الميت

ص:32

فالنظرة التأملية للكون والحياة وماوراء الوجود، تأخذ الشاعر في دوامة وحيرة من أمره ، يتطلع باستفهاماته الفلسفية إلى أجوبة علها  تشبع نهمه ،فيرتطم بتفريخ أسئلة دون انقطاع  ..

ألست تفكرين بالتلاشي …………..؟

ألست جمرة تقتفي العطش ؟

ص:28

ويسافر الموت كتفا إلى كتف الذات الشاعرة  ،على مدى النصوص كلها ،فتفسح له المجال التأملي بشكله الموسع :الموت /العدم بعد طواحين الصراع المريرة ..

نفكر في الموت على عجل وكأننا……..

نعبر بورتريها للخراب

ص:48

وهي تجربة في مواجهة رعب الوجود ،ومحاذاة الموت / العدم لكل الكائنات الوجودية ،ومباشرة فوضاه العارمة في إنشاء أشياء، ومحو أخرى …

*- الرحيل

 تعجز الذات الشاعرة  ،عن الوقوف في تحديات الوجود المتنامية ،

فيسكنها هاجس الرحيل،  إلى منافي الدنيا عابرة قاطرة الدم ،هروبا من واقع مغترب ، تسكنه سلالات متعددة الوجوه  ،وهي غربة في النفس ،وهذه قمة الوعي ودراية الذات الشاعرة  بنفسها ،ومعرفتها حق المعرفة ،أنها عاجزة عن ترميم الأكوان ،وإعادة إليها نضارتها وجمالها ،فتغوص في متاهات لامتناهية ،تنشد الرحيل وتتوق إلى الأسفار ،إنما سفر في الذات وفي النفس، لترميم شقوقها وإعادة إليها توازنها المفقود ..

لسفر أعيد فيه ظلي

وأفتح عرشا لنبؤات

ص:29

وتتأجج نار الشوق إلى الرحيل ،وهذا يجلي بوضوح ضيقا في النفس، والتوق إلى الانعتاق ،إلى الهيام ،إلى التحليق ،إلى الحرية التي هي سمة أساسية للمبدع ،وهو هروب في النفس مما تحس به من أوجاع وآلام تتلبسها الذات الشاعرة ، فتنطلق باحثة عن  البداية ، عن ولادة جديدة ،كي تنجو من وخز الأوجاع ،فتنتعل أجنحة الطيور لتفر من متسع مدى قاتل ، ..

أوستقد أجنحة الطيور

وأفر هناك

ص:37

يعاسر الذات الشاعرة التحليق  ،فتعود خائبة  ،لتنطوي على نفسها في خلوتها ، هروبا من صواعق الواقع الحارقة ، لتعيد تراتيب الحياة ولو في الوهم أو المستحيل ..

وإني أذهب صوب نفسي

أذكر أني  أذكر في خلوة الهمس ..

ص :53

*- الحلم بين التحقيق وبعد المسافة

تعيش الذات الشاعرة شهية الصراع والتمزقات ،بينها وبين الحياة ، وبينها وبين أشياء جميلة تحلم بها ،وهي محظورة تعانق المستحيل ،إذ يتّسع  مدار المسافة بين الرغبة والتحقيق ،بين الحلم والتطبيق ،بين الأمل والوصول ،وهاجس البعد سيظل يطارد ها …

هذه المسافات واقفة

ص:15

المسافات زوبعة تلو زوبعة

نفس الصفحة

فالمسافات ليست كما نلامسها في الواقع مباشرة ،ولكنها المسافات النفسية ،ما تحس به الذات الشاعرة من عجز  لتغيير الواقع المرير  حسب ماأرادته هي ،كرغبة نفسية في إعادة عمران الأوضاع على ضفاف مشرقة  ، ينتشر ضوؤها على أركان الإنسانية كلها ، وعند العسر تتملى بهالة من الفراغ ،…

بل أنا سيدة أقاليم الفراغ

ص:50

تمتعض النفس وتحس بالخيبة ….

 

بحجم احتفالات الجثث أحمل الحلم

من نفس الصفحة

مركب للسواحل الميتة

ص:51

مركبي ليس تماما

نفس الصفحة

تهيمن رؤية سوداوية طافحة بالحنين والبكاء ،وانشطار الروح وتمزق الذات والتلاشي الكلي للجسد ،وهذا الإحساس وليد وعي إنساني فياض ،

ولحظة انفعالية، انطلاقا من حساسية متوهجة تنحسر في مجالات وجودية….

شاردة ….تبكي لصفصافة ترتجف

ص:56

لم ظلام الكهوف يجذبني ؟

ص:57

ورغم اليأس والنظرة  التشاؤمية ،تأتي أحيانا لحظة الإصرار بكل إرادة قوية،  وعزيمة التحدي لاقتلاع الفاكهة من بين الجمر ،ولايضيرها الاحتراق ، لتتجاوز الأوضاع المزرية الراهنة، إلى ماهو أنظف وأرقى ..

نشتهي الفاكهة في الجمر

ص:58

وأنت تؤسس في شهية الآلهة لثمرة التمرد

نفس الصفحة

تشتعل الأماني لإعادة تشكيل الحياة ورسمها بألوان قزحية فتنضاح نضارتها ،وتتضح ألوانها ،غير أن قمم التعثر ترتفع بشدة لتطفئ الحلم ،ويسود الحزن وتستمر العتمة ..

كنت أنتظر أن نرسم لوحة بدأناها مرارا

ص:64

هي أمنية أضرمت في المسافات

ص:65

فعلى الرغم من إعصار الآلام المجتاح فبحوزة الذات الشاعرة حلم تركض وراء أطيافه لتحقيقه ،ولو بالحب على الأقل ..

أحبك ….أو أهذي

ص:60

أفتش فيك عن طلقة عشق

تحتوي القلب …

ص:72

فعلى حد  قولة الميكسيكي “خوان رولفو “،التي تحدد عناصر الكتابة في ثلاثة :”الموت ، والألم  ،والحب “نجدها بالفعل قد توفرت في هذه الأضمومة ، سواء بإذن الذات الشاعرة ،أو سهوا منها ،وهي العناصر التي تتمحور حولها جل النصوص …

*- الصمت

هو اللحظة التي تنحسر فيها الذات الشاعرة ،وتدفن نفسها فيها ،لحظة التأمل ،لحظة الشاعرية ،لحظة الخلوة ،حيث تكتوي بجمر التفكير في الهموم اليومية ،وأسرار الوجود المبهمة ، ومتنافراته وتناقضاته ،فتحاول بانفعالاتها ،بقلقها ، بتوترها 

المزيد


المبدع الذي صنعت منه الأمية ظاهرة ثقافية مدهشة

يونيو 4th, 2008 كتبها مالكة عسال نشر في , دراسات

 

 

المبدع الذي صنعت منه الأمية ظاهرة ثقافية مدهشة

1– مدخل :الإبداع يصنع المعجزات

يتطلب الإبداع  من النفس المعاناة والمكابدة والتأمل ، لتقديم صورة مركبة ومؤلفة تأليفا ،يميز مبدعا عن آخر ،وللمبدع دور في النصوص من حيث كيانه النفسي والاجتماعي والثقافي ،لذا فهو  لايكتب من فراغ ،دون حافز قوي يترجم عبر اللغة مايخالج الذات ،بل من  حمولة ثقافية متراكمة  ،فتصبح لديه طقوس وأدوات ينفرد بها عن غيره ..إن الإبداع هو استحضار لحظات التأمل والانفعال والشعور ،حيث تترتب المعاني في نفسه على نحو متسق ، ومنسجم ، فيتشكل  شفويا في اللغة وفي الصورة الجمالية ،قبل أن يخرج إلى النور لغويا في شكله النهائي ..وهذا هو السر في اختلاف قيمة النصوص الإبداعية ، على الرغم من تقاطع بعضها في توظيف ألفاظ موحدة ..ومن هذا المنطلق ،سأتناول مجموعة المبدع علي أفيلال القصصية ،المعنونة ب”أفعى في صدري “انطلاقا من الجانب النفسي ،أي التجربة التي عاشها الشاعر في كل نص من نصوصه ،والجانب اللغوي والفني والتركيبي والصياغي ،لإبراز إلى أي حد ،استطاع هذا المبدع، شق طريقه في عالم السرد القصصي ،وهو معروف عليه شخصية روائية محضة…

2— علي أفيلال ظاهرة ثقافية

عرفت شخصية علي أفيلال خلال المعرض الدولي لسنة 2008،وكنت أجهله تماما كما أجهل إبداعه ..وقَدّمَ إلي نفسَه بصفته حلاقا ،غاص في ترعة الأمية حتى سن 24 من عمره ،لم يعرف فيها المدرسة ولا حتى الكتاب …وحين نبشْت الترب ،طلعت جواهره تضرب بأشعتها النظر ..ظاهرة إبداعية صرفة فرضَتْ نفسها بقوة في المشهد الثقافي ، أثمرت كنوزا متنوعة لألاءة ،لكن ، تغمرها تلال الإهمال ..ولاأدري بعد، ماسِرّ إهمال  أديب من العيارالثقيل ؟،و الذي قارب أل 20 إصدارا مابين روايات ،ومجاميع قصصية ،تضيق المساحة لاستعراضها هنا ، وسأقتصر على بعضها :

بوح العواصف :رواية

وشم على جدار القلب :رواية

اعترافات امرأة :رواية

تراب الأرض :مجموعة قصصية

رباعية الدمع “رواية  كآخر إصدار نال إعجاب القراء ..

واللائحة تطول ..

حين جالسته عن قرب ،وجرنا الحديث إلى بؤرة الإبداع ،وطال بنا المسرب، ذُهِلْتُ بشدة أمام شخصية عصامية ،استطاعت شق الطريق بمفردها ،لتتخطى بإصرار وعزيمة جدار الأمية ،إلى مرفأ النور حيث الكتابة والقراءة، ثم الإبداع، لينقل جثمانَه الهامد من عالم الأمية والحلاقة ، إلى عالم الرواية والقصة ،حيث ينفخ فيه الروح ويحيا ،عالم جمال الكلمة وإشراقة الحرف ،وتفجير الأحاسيس، وتكديس المكتبة العربية عامة ،والمغربية خاصة ،بزخم من الكتب  الرائعة ….

وقد شدتني مجموعة “أفعى في الصدر “التي تتسع ل 13نصا  على مدى 79صفحة ،في طبعة أنيقة ،تتوسط غلافه صورة أفعى تكشر عن أنيابها ،تخرج لسانها لتنفث سمها ..الصورة مباشرة واضحة يتوسطها عنوان  رمزي :”أفعى في الصدر” ،نكرة ترمز إلى أشياء تعتمل في صدر الكاتب ..وهنا يعانق الكاتب الرمزي بالواقعي المباشر، ليعطينا شيئا جديدا سنراه بالتفصيل في الجانب الفني …

3— التيمات

يسقط المبدع القناع عن الواقع المعيش، الذي يعاني من تخلف ،يسري سرطانه العميق في سياسته واقتصاده وحياته  الاجتماعية والثقافية ،بما فيها الفقر المتسلط ،الذي يعصف بشبابنا إلى الهجرة ،ومواجهة كل أشكال الغربة ..أضف إلى الانحلال الخلقي بكل تجاعيده ،والقضايا المصيرية …ومبدعنا يقتحم هذه المجالات، في تلقائية نابعة من انفعاله الصادق ،وإحساسه العميق ،وتأثره المستمد من واقع الجماهير، وأوضاع الفقراء ،وهَمّ المرأة ووجدانه الذاتي ،مستلهما تجربته من اليومي…

و لاننكر أن الأديب أحيانا يطعم الحاضر بالماضي، للتخلص منه  كشيء راسخ في أعماق كيانه ،أو إعادة تفسيره وتحليله وتقييمه ،على أسس جديدة في علاقة جدلية حتمية ،لِبَثّ فيه الروح والحياة وقوة التأثير ،فتفتح عينَ القارئ وقلبَه عليه ليقبله ،طارقا كل الأبواب الدينية والاجتماعية والسياسية ….

***- الهجرة

المنقذ السحري لشريحة واسعة من البشر، مَن طالهم الإقصاء ،من يتجرعون حنظل البطالة والفراغ ،مَن ينهش الفقر أجسادهم بقوة، حاملا معه الجوع والمرض والتشرد والضياع …

الهجرة/الحلم لمَن يعاني   قلة ذات اليد ،فأصبح  عالة على نفسه وأسرته ومجتمعه ،ماخلق له اضطرابا في نفسيته ..للبحث عن بديل في وطن آخر غير وطنه ..

“أإلى من أنا في وطنه ،غريبة لاحول لها ولاقوة ،مستسلمة في ضعف ،يجرفني تيار الاغتراب إليه ؟”

ص:17

الهجرة التي أحيانا تقتل الحلم ،حين لايحقق المهاجر من أحلامه المرسومة أي شيء ، فيفقد الأمل ،ولايبقى له غير اجترار الخيبات والندم ..

“بينما أنا لم أحقق من الهجرة شيئا غير اجترار الندم “

من نفس الصفحة ..

والهجرة لم تكن جولة سياحية بدافع التنزه وتكسير الملل ،أو الترويح عن النفس ،ولكن للخروج من فاقة الفقر المتسلط،  الذي يعيش الإنسان تحت أكوانه ،في أوضاع تنعدم فيها شروط العيش ..

“رغبتي كانت أبعد من أخرج بك من حينا القصديري القديم ،ومن ذلك البيت الذي لاماء فيه ولاضوء “

ص:30

فكاتبنا لم تنفلت منه حتى الأحياء الصفيحية بفواجعها ومآسيها،وخِيَام البؤس المطنبة على سكانها ،ومعاناة الإنسان من الفقر والجوع والمرض ،في غياب أبسط الشروط .وهذه قمة مثابرة الكاتب على تعرية الواقع وفضحه بكل جرأة وصراحة …

معاناة الفقر والجوع ،والمرض …

ص:29

***وضعية العمال

ويمزق الكاتب الأستار  عن وضعية العمال في المعامل والمصانع، وماتفعل بهم الباطرونة ، من هضم الحقوق ،وعدم تمتيعهم بأدنى شروط العمل الإنسانية  ،حيث ينصهر  الإنسان بكل قواه ،في الآلة فيَفرُغ من قيمته الإنسانية …

“إننا نصهر قوانا في مصانع لاتساوي قيمتنا الإنسانية فيها ماتساويه المكنسة المكسرة “

ص/54

أضف إلى ذلك مايتعرض له  العمال من حوادث كارثية،  ومصائب مهولة ، بسبب الإهمال ،إذ يفقد بعض العمال على إثرها أحد أجزائهم مايُحْدِث الأعطاب في الأجساد …

“لانأخذ غير الحوادث والمصائب التي كثيرا ماتعطل أهم أجزاء من أجسامنا …”

من نفس الصفحة ..

ويتوغل الكاتب في حوادث الشغل التي يتعرض لها العمال ، حيث يصبح الإنسان والآلة سيان، لايفرق بينهما صاحب المعمل، إلا بما يجنيه من أرباح على أنقاض الإنسان، بامتصاص دمه وعَرَقِه ومشاعره ،وهذه وقفة نبيلة من الكاتب  ، حين يجرد بالتفصيل لائحة  طويلة عريضة ،تندد بشدة ضد ما يمس  الكرامة الإنسانية، لتُعاد قيمتُها المسحوقة ، وفي نفس الوقت إعادة الحقوق الإنسانية المهضومة …

“خرجت من الآلة قطعة صغيرة لتمزق ثيابي ،وتستقر في جذر فخذي الأيسر بعد أن أصابت مني مكامن الإحساس في الإنسان “

ص:72

***المرأة

وكما اقتحم مبدعنا علي أفيلال عالم العمال، وعالم المهاجرين، لاتَنِي المرأة تسكن جوانحه بعشق ودون استئذان ، فيركض خلفها ليقف على أوضاعها ومشاكلها هي الأخرى ،واصفا بدقة مايعتريها من تعسف وشطط  وحيف، جراء الأفكار الذكورية ،والتقليدية  الموروثة ..غير أن الكاتب لايسير على  وتيرة واحدة في عالم المرأة ،فتارة ينظر إليها بعين الشفقة والرحمة ..

“وينهار أمام عوامل الغضب الهادرة بلغة ال

المزيد


نموذج الشاعرة مالكة عسال من خلال قصيدتها (الشرخ الوردي )

أبريل 27th, 2008 كتبها مالكة عسال نشر في , دراسات

التجربة الشعرية الفتية التي ولدت مكتملة! طباعة ارسال الكاتب: التجاني بولعوالي    14/04/2008 التجاني

الوردينموذج الشاعرة مالكة عسال من خلال قصيدتها (الشرخ )

في حقيقة الأمر، أن مالكة عسال جاءت متأخرة إلى عالم الكتابة، حيث تؤرخ بدايتها الإبداعية والأدبية، كما تؤكد في نبذتها المنشورة بمدونتها على الشبكة العنكبوتية، باجتياح الولايات المتحدة الأمريكية للعراق، سنة 2003، حيث أبدعت قصيدتها الأولى، التي عنوانها (فلسطين)، على هذا الأساس، فإن فهم تجربة هذه الشاعرة المغربية، لا يتم إلا من خلال هذا المعطى، الذي حفزها على ولوج عالم الكتابة، وهو حافز يمتزج فيه الذاتي بالسياسي، الهوياتي بالإنساني، وهذا ما سوف يطبع أغلب نصوصها الشعرية، التي ولو أنها تبدو موغلة في الذاتية، فإنها تحيل بكيفيات أسلوبية ومعنوية متنوعة على مختلف القضايا الوطنية والعربية والإسلامية والإنسانية.

هكذا فإنه رغم أن الشاعرة مالكة عسال لم تنظم أول أشعارها إلا وهي في عقدها الخمسيني، فإنها تمكنت في مدة وجيزة من أن تحضر بشكل لافت في المشهد الثقافي المغربي والعربي، بكل تجلياته الأدبية والثقافية والإعلامية والتواصلية، مما يميزها كثيرا عن قريناتها من شواعر المغرب، تجربة وحضورا، ففيما يتعلق بتجربتها الأدبية عامة، والشعرية خاصة، يلاحظ أنها ولدت مكتملة، كما أن الشاعرة استغرقت كل تلك العقود الطويلة التي سبقت ظهور تجربتها، تشذب ملكتها الإبداعية في خفاء، وعندما توفرت لها التربة المواتية، وتأتت لها الحوافز الكافية، كشفت عما كان يستقر في دواخلها من معان جميلة وأفكار نظيفة ومشاعر صادقة، أما فيما يرتبط بجانب الحضور، فيبدو أنه مع قصر هذه التجربة الشعرية، فإن صاحبتها تحضر بشكل كثيف في مختلف المنابر الأدبية والإعلامية، من جرائد ومجلات ومنتديات وأنشطة ثقافية وغير ذلك. وهذا ما يجعلها تنفرد عن مثيلاتها من شواعر المغرب المعروفات، اللواتي لم يلجن بعد التجربة الرقمية الجديدة.
إن هذه القراءة تتوخى تناول تجربة الشاعرة مالكة عسال من خلال قصيدتها (الشرخ الوردي)، وهي تعتبر من بين القصائد الأولى المنشورة في مجلة الفوانيس، حيث خصصت صفحة للشاعرة في زاوية (كتاب الفوانيس)، وقد انصب الاختيار على هذا النص الشعري، بدافع أنه يعد من بين أهم النصوص المنشورة في مجلة الفوانيس، التي تستجيب لجملة من المعايير الدلالية والجمالية والإيقاعية، وهذا ما سوف نعمل على تجليته عبر معاقد هذه القراءة.
إن أول ما تقع عليه عين قارئ هذا النص، هو العنوان الجميل الذي اختارته الشاعرة لقصيدتها، وهو نحويا يتركب من اسم وصفة (الشرخ الوردي)، أما بلاغيا، فهو عبارة عن استعارة جمالية، تجعل القاريء أمام معنى جديد، لم يسبق له أن اطلع عليه، لأن الشرخ شيء غير مرئي وغير ملموس، في حين أن اللون الوردي شيء مرئي بالنظر، فكيف يمكن نعت شيء لا مرئي بشيء مرئي! مما يكسر توقع القاريء، ويدخله في دائرة اللا توقع، ثم إنه إذا سلمنا بأنه يمكن في بعض الأحايين تلوين المشاعر والمجردات، فإن ذلك التلوين ينبغي أن يكون مناسبا لطبيعة الشيء الموصوف، فيكون الشرخ أسود أو أزرق أو رماديا، لا ورديا كما أرادت الشاعرة! فما سر هذا الوصف بالجميل لشيء يوحي بالخوف والانفصام والتباعد؟
عن هذا الاستفهام سوف تحاول القصيدة عبر مقاطعها الخمسة الإجابة، حيث أنه أثناء كل مقطع شعري ينشأ شرخ ما، بشكل متدرج أو بشك

المزيد


مقدمة للمجموعة القصصية بعنوان"طلقات بنادق فارغة "للأديب المغربي "ابراهيم أوحسين

أكتوبر 18th, 2007 كتبها مالكة عسال نشر في , دراسات

 

مقدمة للمجموعة القصصية بعنوان"طلقات بنادق فارغة "للأديب المغربي "ابراهيم أوحسين "

تعرفت على الأديب المغربي الشاب أوحسين أبراهيم عبر الانترنيت ولاأذكر اللحطات الأولى بالضبط ،عرفته قاصا وعرض علي مسؤولية كتابة مقدمة لمجموعته القصصية الجديدة "طلقات بنادق فراغة " في اعتقادي أنها باكورته التي سيخترق بها أحجبة الإبداع المغربي ،لكن حين أرسل إلي سيرته الأدبية فوجئت بإصدارين شعريين :الأول بعنوان : »شموع"سنة 2004والثاني "بوح الفؤاد "سنة 2005والدهشة الكبرى تكمن في هذه المجموعة التي بين يدي: "طلقات بنادق فارغة ":عنوان ثلاثي لم يضعه الكاتب صدفة، بل اقتنص ألفاظه من الحياة عن وعي تام ،ثم ركّبه تركيبا مزجيا يُخفي وراء أستاره دلالات عميقة ،ومعاني واسعة تختزل ما تنطق به النصوص بين هذين الدفتين….توج إحداها بلوحة اختار المبدع لها ألوانا معتمة وأسلاكا شائكة ،وهي تعبير فصيح عما يجوس بنفسية الشاعر ،وتصوره الحاد للأوضاع وماتفرزه تجاويفها وتشعباتها من طلاسم وإبهام مطلقين ،جعل الكاتب يتأرجح تارة في الواقع المحسوس ،وأخرى متبرما منه بصفة نهائية إلى عالم مغرق في الخيال ..ومارحلة الكاتب في معبر الكلمة إلا للبحث في سراديب الكون ،عما يعيد التوازن لأوضاع مترسبة مراراتها في النفس

الواقع

توغل الكاتب في الحياة بنظرة تأملية صارخة ،ليتحفنا بورقة مفصلة عن معاناة البشر ،يصنفهم من منظوره الخاص إلى طبقات ،مجسدا القيم الرديئة التي تفشت واستفحلت بين ظهرانيهم ،حتى أصبحت الحياة معتمة ،مدققا التفاصيل، مشخصا مميزات كل فئة على حدى،واقفا بعمق على التفاوت الطبقي ،من حيث العيش والفكر ،والميولات والاتجاهات ،وكأنه مقرر صحافي ،أو محلل نفساني أو سياسي أو اجتماعي …:

فرد يعيش بكل مايحمله الفعل من معنى"

،وفرد لايعلم إن كان حيا أو ميتا "قصة "الغبار "

يتقاسم الكاتب رغيف الهموم مع الطبقات المهمشة ،التي تعيش تحت أطناب الفقر والعتمة، يتألم لألمهم ، مخصصا الحيز الأوفر من المشاعر ليحتويهم في حنو وشفقة ، منددا شاجبا رافضاوهذا إن على شيء فإنما يدل على مواقفه النبيلة الإنسانية ..ثم ينفطر من الفئات إلى الافراد يناجي هموم الفلاح أحيانا ،والمرأة ضحية الوصاية أخرى ،وماتعانيه جراء الأفكار الموروثة والقيم الضحلة المتحجرة ،وفي اشتباكه بحب الإنسان لاينسى حتى ذلك الكائن الصغير في طوره التكويني بالرحم ،فيجزئ لنا مراحل الحياة في بطن أمه، مدققا تفاصيل نموه في كل مرحلة ،بطريقة علمية مستوحاة من علم نفس النمو : ونجد ذلك في قصة "الحياة تسعة أشهر "

أديبنا لم تسعه الحياة ،ولم تكفيه لإشباع نهمه التعبيري ، طاف بكل أرجائها تقريبا على حصان سرد لايعرف الحرون ولما لم يطفئ غليله همّّّّّ مهرولا وراء المطاوي الغابرة، ليستنهض شخصيات لها بصمتها المضيئة على صفحات التاريخ "

بدأت تسرد مقدمة ابن خلدون "

قصة "صرخة من أعماق المتوسط"

ويقول "

« أو بمصطلح"بيار برودون "

قصة "الغبار "

الخيال:والرومانسية

حين تعب من مجاراة الحياة دون جدوى انعطف الكاتب بقشته الأخيرة لائذا بالأسطورة، راشفا من معينها :

سيزيف الذي حكم عليه في الجحيم بعذاب أبدي" « 

قصة "الغبار "

ولايتوقف الكاتب عند توظيف الأساطير اليونانية فحسب ،بل تزوغ لغته السردية لتدخل في قالب أسطوري من نسيج الكاتب نفسه ،وهذا ينم عن سعة خيال الكاتب ،ومدى براعته في امتصاص الواقع بكائناته الملموسة في صياغة أسطورية خيالية تدغدغ مخيلة القارئ في دهشة عارمة :

تمثال سديم يدخل بين الجماهير ،ليست"

له جهة مؤكدة "

قصة :من أنتم"؟

ويصل الكاتب ذروة الخيال، حين يشتد به التفكير في فهم الحياة ،وتعاسره السبل وكل أدوات للتغيير ،أو حين يصطدم بجدار الفشل ،فيسمو بذاته عن الواقع المحسوس ،واقع الإبهام والهم والغم ،إلى الماورائيات حيث يعانق الطبيعة بكائناتها الوجودية ،يضفي عليها إحساسه ،بلمسة رومانسية محضة ،نابشا سياق الكاتب جبران خليل جبران مما يجعل القارئ يطرح أكثر من سؤال :ولاحظوا هذا الحوار الشيق مع قطرات المطر :

ماالسبب الذي جعلك تتركين سماء نقية وتنزلين أرضا بشعة قذرة ؟

المزيد


سنوات الرصاص المنقوشة في الذكرى والذاكرة

يونيو 10th, 2007 كتبها مالكة عسال نشر في , دراسات

 

سنوات الرصاص المنقوشة في الذكرى والذاكرة

 

** النص المحيط

—————————————-

كتاب أفول الليل للسيد الطاهر محفوظي المولود بتاريخ 1950بأولاد زكري جمعة اسحايم ،أحد جرحى يوميات الرصاص ،يقدم لنا تجربة الاعتقال ،كوثيقة مهمة ،يعنونها ب"أفول الليل " يتسع الكتاب ل 137 نصا ممتدة على 388صفحة من الحجم الكبير ،شاء الكاتب أن يضع على الدفة اليمنى لوحة تجسد قضبانا وشباكا بلونين: أزرق فاتح ،وأزرق مغلق ،وهي رمز إلى المعتقل ،وظلامية الاعتقال بدون مبرر ،وعلى الدفة اليسرى صورة الكاتب ،ومقدمة مختزلة لمضمون الكتاب من طرف شيخ القصة السيد أحمد بوزفور ،ثم رسالة مختومة تحمل اسم السجين ،ورقم اعتقاله ،عليها تنبيه لبعض الشروط ،تتلخص في طريقة التراسل ،ومساعدات الأهل للسجين ماديا وغذائيا،مع تحديد مدة ووقت الزيارات …

- العنوان :

لنتأمل العنوان: " أفول الليل" : من كلمة: أفول: وتعني انجلاء أو انقشاع أو تلاشي..

الليل: الظلمة أو الغسق أو الظلام ،وجمع الكلمتين معناه انجلاء الظلم ،حين حصل الكاتب على حريته،بمغادرة قضبان المعتقل إلى حيث النور والشمس..

- المحتوى :

لايمكن تصنيف الكتاب في رواية أومجموعة قصصية ،أو ديوان شعر ،بل هي نصوص مفتوحة ينفرد كل واحد منها بموضوع معين . يسجل بأدق التفاصيل طفولة الكاتب ،وأيامه الدراسية ومراحل الاعتقال ،والسجن وماقاساه من صنوف التعذيب الحاطة بالكرامة ،والخالية من الضمير الإنساني..وأغلب النصوص لاتتعدى صفحة واحدة ،اللهم القلة القليلة التي تتعدى صفحتين أو ثلاثة على أكبر تقدير، مُجهِز على التجاسر في ما بينها ..وهذا التقسيم أضفى خفة من نوع خاص على القارئ ،كوجبة خفيفة الدسم ، حتى لايصاب بالملل ،مع إعطائه حرية الاختيار ،وقراءة كل نص على الانفراد دون خلل،والمتصفح لهذه التجربة يجد نشوة فريدة في الاطلاع عليها بشغف حتى النهاية ..

** التنظيمات وقائمة المناضلين .

——————————–

أول مايسترعي انتباهنا بالدرجة الأولى هي الحركة النضالية ،حيث قام الكاتب بتحليل دقيق لكل المراحل التي مر بها ،والجو العام الذي كان يمارس فيه نضاله ،جاردا قائمة من التنظيمات التي كانت تتواصل بعضها ببعض ،في لحمة واحدة، للبلوغ إلى هدف واحد نصب الأعين ،وهو تغيير الوضع والعيش بالكرامة ،والتمتع بكافة الحقوق ..

ومن بين التنظيمات :

- تنظيم: أ

- تنظيم: ب

- تنظيم :23 مارس

- النقابة الوطنية للتلاميذ

- الاتحاد الوطني للقوات الشعبية بشقيه : السياسي النقابي، والعسكري الثوري ، وبعض المجموعات النضالية الأخرى مثل مجموعة:

- الشاعر عبد اللطيف اللعبي ومن معه

- مجموعة بوغابة والمعتقلين

- مجموعة السرفاتي ومن معه

ولم يفته ذكر الرفقاء من المدن التالية : سلا- الرباط- القنيطرة - مراكش - فاس - الخميسات - تازة - وابن أحمد

1– الاعتقال

———–

يدقق الكاتب في وصف حملة الاعتقالات الواسعة التي تقتنص المناضلين ،حيث ينساقون مكبلين مقيدين ..

"وضعوا الأصفاد في أيدينا كما توضع الأساور في الأيدي الجميلة " ص:11.

فقط من أجل رفع أصواتهم ،لتحقيق بعض المطالب ،وتوالت الاعتقالات مع إحضار المحجوزات لإثبات العنف الثوري ولإقامة الديكتاتورية..

" وقد أحضرهما البوليس ضمن المحجوزات" ص:30.

يوغل الكاتب في الدقة واصفا الاعتقالات المتكررة التي قادته إلى الاعتقال الأخير إبان المظاهرات والإضرابات التي لعلعت في آذار 1973 ،حيث أعقبتها اعتقالات متتابعة في صفوف المناضلين ،حتى اعتمرت مفوضية الشرطة بالدارالبيضاء .

2– الوضعية بالمعتقل .

———————–

يصاحبك الكاتب في جولة داخل زنزانته ،ممررا عدسته المصورة من أرضها حتى سقفها ، مرورا بمرافقها ،ليقف على وضعية السجناء ،من حيث التغذية ،والنوم ، والمرحاض .

" فلقد كانت الزنزانة تضم الصالون وغرفة النوم ،وغرفة الأكل ،والمرحاض "ص:34.

ومع ذلك كانوا لايهابون شيئا ،ويثورون ضد الزجر ،والقمع .

"كان تلاميذ فاس يكثرون من الأناشيد الثورية "ص:35.

كما يشخص فاضحا أدوات التعذيب المختلفة لسَلِّ الاعتراف ،أو التركيع ،كإلحاق بعض التهم الخطيرة بهم .

" هذا يعني أنكم ضد القصر ؟تتآمرون عليه؟" ص:25

و البحث الذي كان جاريا بحذر شديد ،عما إذا كانت هناك من علاقة بين المعتقلين وليبيا التي كانت توجه برامجها مهاجمة النظام الملكي..

" بعد أيام سأعرف لماذا التركيز على السفر إلى ليبيا والجزائر"ص:28.

ثم يدلف الكاتب بنا إلى عالم الأصفاد، كأنواع أخرى من الأدوات القمعية التي تدخل في كبح جماح الكلمة الناهضة المعبرة عن الحقيقة ،والصيحة النفاذة إلى الأعماق ،مميطا اللثام عن أساليب التعتيم ،والشطط والظلم المنتهجة ضدهم ،ولظى السوط على الجسد،وحرقة الحنين إلى الأهل ومسقط الرأس..

"تحن ويرجع إليك الحنين صدى يضاعف الألم ،هل الشوق والحنين حرام ؟"ص:106

وفي القبو المعد للمرضى ،يكشف النقاب عن التمييز الحاصل بين السجناء ،خاصة الذين يقدمون رشاوي للإدارة ،ليستمتعوا بوضع أحسن..

" من يدفع أكثر لإدارة السجن ،يقضي عقوبته داخل جناح التمريض بالسجن ،يأكل بالشوكة والسكين ،وربما يشرب الويسكي " ص:108

ويعري الكاتب بشكل فاضح عن بعض الأساليب المراوغة ،التي تتحذها الإدارة أثناء بعض الزيارات المفاجئة كزيارة العامل مثلا ،حيث يتغير الوضع المأساوي ب


المزيد


قراءة ديوان شعري "حتى يهدأ الغبار "لبن يونس ماجن من طرف مالكة عسال

مايو 15th, 2007 كتبها مالكة عسال نشر في , دراسات

 

حين يمتص الشاعر من تدي الغربة شوقه للوطن

هو الشاعر بن يونس ماجن، المقيم في لندن منذ السبعينات، أكمل دراسته الابتدائية والثانوية في مسقط رأسه ليكمل دراسته الجامعية بلندن، حاصل على شهادة الماجستر في الترجمة من جامعة وستمنستر -لندن،يكتب باللغات العربية والفرنسية والإنجليزية .نشرت مواده في الصحف والمجلات الغربية، له عدة إصدارات باللغة العربية والفرنسية:من ضمنها :مجموعة الشعر التي بين أيدينا المعنونة ب" حتى يهدأ الغبار"الموزعة على 108 صفحات،وقد شاء الشاعر وبوعي منه أن يخلي الكتاب من المقدمة والإهداء والفهرس وحتى عناوين القصائد ،والاكتفاء فقط بترقيمها حيث حصر عددها في رقم 70، بالإضافة إلى إهدائه لبعض النصوص، الشيء الذي لم نألفه لدى غيره من الشعراء.

1- الظروف الواقعية

-أوضاع بلاده:

المتصفح لهذه المجموعة يكتشف بصورة أو بأخرى معاناة الشاعر وصراعه القوي مع الأشياء ،مع المحيط ،بل مع الكون كله،فالشاعر يمررعدسته من الأقصى إلى الأدنى بنظرة تأملية تحليلية لما يلحق الإنسان بصفة كلية ،وما يتملاه من خبث وقهر ،يفرغ الأشياء من محتوياتها حتى غدت تبدو له ليست كما هي ..تكتنفه سبل ومسالك ملتوية لاتؤدي إلا إلى فراغ :واقع مزر تحت نيره ترزح شرائح عريضة من البشر: المتسولون ،والمشردون ،والعاطلون والقاطنون بمدن الصفيح:

والمشردين

والعاطلين عن العمل

ص:42

رغم أنه مرّ رَدْح من الزمن فالشاعر يرى الواقع مازال راكضا لايسير إلى الأحسن..

والرياح كعادتها

توقظ الغبار الناعس

ص:73

- الأحلام المغتالة:

فحين يعاسرنا تحقيق ما نصبو إليه من أهداف مرسومة في الواقع ،يبقى الحلم آخر وسيلة نتفس في رحمه بواعث الأمل ،ولو أنه يغتال هو الآخر :

وأحلامكم زفت إلى مقصلة الزمن القاسي

ص:74

فالشاعر حالم بطبعه، لما يصده جدار عن تحقيق حلمه في الواقع ، يرحل في فضاء الخيال ليحققه في القصيدة…

-المرأة :

كما يشد الشاعر بالإضافة إلى الواقع، وضعُ المرأة المجردة من كينونتها كإنسان ،حيث مازالت صريعة الأفكار الذكورية ،التي تهضم حقوقها ،وتسلب حريتها ،وهذه قمة وعي الشاعر بالإقصاء الاجتماعي للمرأة، حتى غدت قضيتها مهيمنة على جزء مهم من شعره ،

المرأة كالمسبحة الخشبية

في يد شيخ متعبد

في دير مهجور

ص:44

-الهجرة

و مدى التصاق الشاعر بالهموم الإنسانية ، التي يفرخها الواقع المزري جعله لايقصي نفسه من الصورة ،حيث خصها هي الأخرى بقسط وفير من الشعر، طارقا باب الهجرة والغربة وما يكابده شاعرنا واصفا الوضعية بالتفصيل :

ثمة شاعر يطل برأسه من مرايا الإلهام

يصيغ قصائد نثرية بلون الضباب اللندني

ص:48

والهجرة لم تكن باختيار الشاعر، بل أرغم عليها ،كما توحي لنا بعض النصوص، وهي الهجرة السرية ، وقد خلفت أثرا بالغا في نفسية الشاعر، حيث نجده يطرق في نصوصه بوابتها بأدق التفاصيل، واصفا أشلاء المركب المحطم ،وجثث الضحايا المهاجرين السريين:

غرقى ومفقودون على الساحل الجنوبي

موجات مد غاضبة

وأشرعة بلا مجدفين

وقوارب محطمة

ص:66

- الغربة

يحس الشاعر بفظاعة الغربة في بلاد المهجرإلى درجة الشك في وجوده ،فتنطرح عليه أسئلة محيرة ،يحاول جاهدا الإجابة عنها لإثبات كينونته ،وهذه قمة غربة الشاعر في ذاته نحو عالم مبهم،وتواجده في إحدى زواياه ..

لابد أنني موجود في مكان ما ..

في فضاء ما..

في دائرة ما..

في بلد ما..

ورغم ذلك أحس أني جسد غريب

ص:67

نفسية الشاعر متعبة وممزقة بين التنصل من القهر، والاشتياق إلى الوطن ،وشمسه الدافئة،يتقاسم المرارة مع نفسه في بلاد الغربة ،خاصة وأنه مازال يحمل معه في جرابه

ذكريات الطفولة المتعبة،وقساوة العيش في بلاده ، وهذه نفحة من سيرته الذاتية التي حظيت وحدها من بين نصوصه بالعنوان..

أحلم بشمس بلادي

أتدفأ بأخبار طقسها المشتعل

ص:91

-الذكرايات

للشاعر ماض موشوم بلغة القهرفي الذاكرة/الطفولة والشباب وجرابهما الممتلئ بالأحلام ،التي تهشمت على أول صخرة ،وهذه طبيعة كل مبدع حين يراوده الحنين إلى إحيائه.

أقف على حافة الوقت الضائع

لم أتسكع في وشم الذكرايات

ص:47

2- القومية

وككل مبدع حقيقي يتنفس الشاعر في عروق الأمة العربية وتجتاحه غيرة حارقة تجاه مايلحق بها، فيصرخ محتجا على اجتياح أمريكا الشبيه بالتسونامي..

إنه التسونامي الأمريكي

الذي اجتاح شط العرب

ص:51

- العراق

طارقا أبواب الإنسان في مختلف قضاياه، ليضع رحله في العراق، مشخصا بعين مجهرية مايستفحل فيها من خراب وتدمير من طرف الجنود الأمركيين ،حيث أتلفوا التراث الإنساني الخالد منذ آلاف السنين..

يقتفي الجندي الأمريكي أثر المتارس

في متحف بابل

ص:54

كما يقف واصفا مايلحق الشعب العراقي من تشتيت وقتل وفتكن شاجبا بشدة مخططات أمريكا..

سمع عن وحوش سادية

تفترس الجسد العراقي

ص:99

-فلسطين

وغيرة الشاعر على الأمة العربية تبلغ به أقصاه ، فينعطف نحو بلد فلسطين ليطلعنا على أوضاعها بصورة أعمق، يشجب فيها التنكيل والتعذيب الذي يمارسهما الصهاينة على الشعب الفلسطيني الأعزل..

خفافيش إسرائيل تنهش جثة آدم

وت

المزيد


فراديـس منفلتة للشاعرة المغربية مالكة عسال قراءة: للكاتبة و المترجمة المغربية أسماء غريب

مايو 6th, 2007 كتبها مالكة عسال نشر في , دراسات

اشترك في: 28 ابريل 2006
مشاركات: 560
المكان: إيطاليا

نشرةارسل: الاثنين سبتمبر 25, 2006 1:37 pm    موضوع الرسالة: قرأت لكم/ فراديس منفلتة للقاصة المغربية مالكة عسال
رد


فراديـــس مـــنفلـتــة
للقاصة و الشاعرة المغربية
مالكة عسال

قراءة: للكاتبة و المترجمة المغربية
أسماء غريب

فراديس منفلتة عنوان غريب و مثير لمجموعة قصصية تطفح ألما و هما، شاءت القاصة و الشاعرة المغربية مالكة عسال أن تقفل عليها بين دفتي كتيب لا تكاد صفحاته تتجاوز الخامسة و الستين صفحة، عنوان يدفع القارئ بتحايل و ذكاء إلى الوقوع في رغبة مفخخة لاأمل لها سوى اكتشاف جنان و فراديس الكتيب، رغبة تسارع بالارتماء بسرعة جنونية بين ما قد تحمله الصفحات من سعادة و هناء أو من حلم و رجاء، كفراشة يثيرها النور فتسعى سعيدة للحوم حوله حتى تنتهي بالاحتراق و الموت من خلال ما تكتشفه من واقع مرير تئن تحت نيره شخوص المجموعة القصصية الغارقة في المفارقات و التناقضات التي تزيد دوما و أبدا من حدة ذاك الفاصل الذي يقف كوحش مخيف بين ما يسمى ب’القمة’ و ‘القاعدة’ .
أبت مالكة عسال ألا تختم رحلاتها المضنية دون أن تكشف زيف ذاك البريق التي تتوشح به الطبقات الغنية و تسقط عنها وهج أي قناع، لتبقى الحقيقة هكذا بشعة و عفنة لا تستحق سوى الإطاحة بها أرضا ووضعها في مكانها الطبيعي: الحضيض و الوحل.
المجموعة تتكون من 14 قصة قصيرة، ابتدأتها القاصة بحلم أول و أنهتها بحلم أخير و بين الحلمين هناك قصص قصيرة أخرى، تتنوع حسب تنوع الشخصيات و الأحداث و لكنها تلتحم فيما بينها بخيط رفيع و قاهر، خيط يجسد الألم و الظلم الذي تعانيه الطبقة الكادحة من الناس، لا فرق فيها بين طفل أو شاب، بين امرأة أو رجل أو بين مسن أو غيره. الكل يتساوى في تجرع الت

المزيد


وجهة في رحاب

أبريل 30th, 2007 كتبها مالكة عسال نشر في , دراسات

الاسم: رشيد قدوري
البلد: المغرب
الفئات: ثقافة و فن, أدب و كتب.
السبت,آذار 31, 2007

وجهة في رحاب "دمعة"

قراءة في كتابات الاديبة المغربية مالكة عسال

http://malika-lassal.maktoobblog.com

بقلم: رشيد قدوري

هل هو الحزن المكتوب على جبين الوجهة منذ البدء…؟!

أم أنه لا يعدو أن يكون مجرد صدفات منثورة في فضاء قاتم… قد لا يستطيع احد أن يعرج عنها أو ينكرها أو يسعى إلى تجميلها بكل ما في الدنيا من ألوان أو مساحيق …؟!

 ففي خط  الانطلاقة راحت  ترصد التيه الشبابي عبر عالمهم المخيالي, وترصد همومهم وهروبهم… حتى غاصت في مستنقعاتهم التي لطخت  الجميع   بضحالة أزكمت الأنفاس وأتعبت الأنفس… محاولة أن تنتشل مشفتيها  بسمة عنيدة من شر البلية…

ثم هرول إليها الشعراء الجمهوريون, بوجدانيتهم التي تسامر لون عيونها…  ولم تستطع أن تصدهم, بل رفرفت لهم  بأبوابها المترعة على الشكوى …

 ولم تكفيها شكوى الإنسان وشكوى النظم , بل  احتضنت شكوى اللغة أيضا,من الرداءة ومن  الذين يجهزون على ما تبقى من أوعيتها الصحيحة وأوانيها السليمة…

 ثم تهاطلت عليها لحظة الشنق ماءا باردا, جعلت أطرافها ترتعش من همجية المشهد وهي اللحظة التي أسقطت ما تبقى من أقنعة الشرف … وتلاشت على صدرها آخر ورقة للكرامة…فأرخت  زلة الشانقين  حبلا رقيبا… ووعدت  ثورة الصامدين فتحا قريبا…

وما كادت تجبر خاطرها وتكفكف جرحها حتى أدخلتها إشكالية النظرية والتطبيق في حيرة فلسفية لا مخرج منها , إلا بندائها للبراعم القادمة, لحمل مشعل التغيير  عسى أن يخلق التوازن غدا مشرقا تدعمه رغبتهم  الناضجة تفكيرا وتطبيقا…

وفي  لحظة سكون موحش أرعد الماغوط في أرجاءها , بقناطره المقنطرة من الشجن والتمرد والتشرد… ليتحطم في نهاية عصفه على كرسيه المتحرك… و  يضع يده اليسرى على خده و يمسك  باليمنى  آخر قصيدة من عمره… ويجعل الوجهة منفضة و النظرة مسافرة عبر دخانه الأبدي,وهو يعرج إلى مقام الدفء  الذي لن يخونه هده المرة…

وبعد قراءة الفاتحة على روحه الشاعرية الطيبة عادت ترقب موعدها في الكتابة لتعترضها الأمومة المعطوبة والمكتوية بنار الاختفاء… فبادلتها الحنين نزيفا  بمداد الخلود,    والترقب أملا معطرا بماء الوفاء وأجهشت  في دواخلها ترانيم الوطنية  وانكساراتها فاغتسلت بدمعة مالحة وحملت صرختها إلى جبهات النداء لتستعطف الهاربين إلى بطون الحيتان المائية  والبشرية  وتناشدهم الرجوع… والسماحة… والاعتذار للام والوطن…

وحين أتعبها الصراخ والترقب من الأفق المسدود, انكمشت على نفسها دون أن تخطط أو تدري أنها سوف تقض مضجع الذاكرة المسترخية على ضفة القلب الملغوم,  فانفجر بين أيديها بيتا بيتا حتى آخر قطرة حب متبقية من عصر اللذة… وهناك ضنت أنها "فضفضت" بما فيه الكفاية لتستريح وتبدأ زمن الحذر وتتخطى أي بؤرة حزن… (2)   

لكن سمائها تبلدت هدا الأسبوع  بغيمة فيها رعود… وبروق… وجروح… ودموع… تربت في أحضان شاعرة وكاتبة من زمن "الذبح من القفا", والتي ألفتها من أبجدية تروضها بفنيها الخاصة وديكوراتها الشاعرية فتنشأ منها الدرر و الصروح   التي تؤرخ لحاضرها وتجعل منها ميراثا أدبيا /أبديا يتردد على لسان الأجيال المعاصرة والقادمة,  لتواصل الرحلة  داخل الحرف الفني الذي تعصر فيه دمها الإنساني الخالد ولو غيبها الزمن بعد عمر إبداعي طويل طبعا. وهكذا تشرح الشاعرة مالكة عسال طقسها الأبجدي بالقول :

أوغل في أدغال الأبجدية/أشيد من توتها صرحا لا يفنى/بدررها أوشح طنافس الأيام/لتتدلى من أفقي/نواقيس تجلجل نشيدا/تمطرني بجنات عدن/فأتخير الأشهى/من أتعابي أدفن الأشقى/التهم الليالي ./ألعق سطول الحروف/أرمم الصدوع ببلازما/أعصرها من دم أبجدي في حقائب الهلع(3)

هده الأبجدية الخبيرة بهدفها  هي التي  ستسعف  الشاعرة في دفع دينها المستحق لفائدة  الجرح العربي والإسلامي, وهو نفس الدين المستحق على كل مثقف أو مناضل  بغض النظر عن مكان تواجده أو أسلوبه المهم أن يكون في مستوى المسؤولية الأدبية والتاريخية ومستوى الهدف التحرري  النبيل. فكانت الانطلاقة من الاجتياح الاستعماري/ الأمريكي للعراق والدي  زاد  الجرح الفلسطيني اتساعا و عمقا ونزيفوكتابة مسرحية وغنائية تطرب الأطفال وتغدي فكرهما ومعرفتهما… وطبعا هدا الانفجار النسائي المتأخر  ليس وليدة صدفة أو بين ليلة وضحاها بل هو تراكم لأحاسيس إنسانية ذاتية, يحاصرها الفقر المدقع والحرمان الطفو لي والفرحة المغتصبة بموت الغنج الدي كان يضفيه عليها والدها,  بالدرجة الأولى ثم بالدرجة الثانية هو تراكم لتجربة مطلعة على انتاجات  مغربية وعربية وحتى عالمية, هرولت وراءها الكاتبة لغرض تكوين أداة صلبة تجعلها تصطاد كلماتها وتطارد أحاسيسها بطريقتها الخاصة والفريدة والعميقة  والمستقلة عن باقي التجارب, لترسم الطريق لجدولها الإبداعي الذي سيروي أول ثمرة مكتملة  بين دفتي "دمعة" وهدا الديوان الشعري  هو تجربة مرتبطة" بكل حزن  يجري في العالم" على حد ما فسره القول  النثري  للمبدعة و

المزيد


حين يلتاع الشاعر بالهموم الإنسانية ويكرس عشقه للوطن

مارس 8th, 2007 كتبها مالكة عسال نشر في , دراسات


حين يلتاع الشاعر بالهموم الإنسانية ويكرس عشقه للوطن

هو الشاعر المغربي المصطفى فرحات من مواليد قرية أيت مولى’ ب”ابزو’

تحت عنوان ‘تقاسيم الصرير’ يثري الشاعر الإبداع، بمجموعته الشعرية المتميزة التي تتضمن 32 قطعة تتسع ل99 صفحة يستهلها بنص معنون ب’تصدير’، يعرض فيه الشاعر رؤيته للشعر ، ويختمها بالفهرس ، ومابينهما تمتد القطع مبتدئة ب’أغنية ‘ل ‘أيت مولى ‘ و تنتهي ب’ القدس’ …

1- الغلاف:

*- تقاسيم الصرير: يشكل العنوان وحدة متكاملة قائمة بذاتهان تتسع لأكثر من تحليل .. تقاسيم : أجزاء من الكل ،أو مجموعة من القطع لتأليف شيء ،أو إيقاعات مختلفة لقطعة موسيقية .. ، ويقصد بها الشاعر الإيقاعات المختلفة للزمن العمودية منها والأفقية، :بأفراحها ومسراتها وأوجاعها وآلامها وجراحها …الصرير:مايسمع من صداع أو أزيز، عندما يفتح مصراع حديدي غير مشحم، نتيجة احتكاك أجزائه ،والمقصود به الوضع المزري الذي يفرخ القهر والألم والجراح..

*- اللون:لقد شاء الشاعر أن يختار اللون الأصفر المائل إلى الاخضرار من الأسفل إلى الأعلى ،ويعني به الشاعر أنه بعد اصفرار الخريف سيأتي الربيع ،قاصدا بذلك انفراج الغم بعد المحنة تحت خيط أمل دقيق…

*- اللوحة: تتوسط الغلاف لوحة لبيت قديم مبني بشكل عشوائي له باب مهشم خشبه :تعبر بالواضح عن الوضع المزري الذي يعيشه السكان بضروب القهر ،والتهميش ، والمحن والعذاب …

فالغلاف ككل فتح لنا منقذا مضيئا نطل منه على محتوى الأضمومة ،ويجلي كنهها…

2- المحتوى

لقد التاع الشاعر بالهموم الإنسانية جمعاء، فصدح صارخا على المستويات :مناشدا على المستوى المحلي ،منددا على المستوى الوطني ، رافضا على المستوى القومي ،معالجا على المستوى الإنساني، ،مستعرضا رؤيته الواسعة على مستوى الشعر …ويحصر ذلك في خمس تيمات ….

*- التيمة الأولى: الشعر المحلى

يبين الشاعر قمة عشقه لبلدته التي تربى بين أحضانها ،يتغنى بأمسها الزاهر ،مستنهضا تاريخها الأمجد مشيدا ببطولات رجالها،….

منها ينهض التاريخ

ومنها تلوح أزمنة الرجال

ص:27

كما يعود بنا إلى وصف بلدته متحسرا على مفاتنها الضائعة بسبب التهميش الذي طالها ،و الانهيار الذي وصلت إليه، وما سببته لها القطيعة من توسيع هوة عميقة بينها وبين الحضارة والتنمية ،مما جعلها كسفينة بمرفأ مهجور..

وسفينة ملقاة بمرفأ مهجور…

رحل عنها الماء

وهجرها الربان

ص:27

وهذه صرخة واضحة يناشد الشاعر من خلاها المسؤولين ، للاتفاتة إلى هذه الرقعة، وتخليصها من مثالب القهر ، ومد الجسور إليها لتسير نحو التطور والتنمية ، حتى تصبح كسائر البقع قي ربوع الوطن ..لكن حين تنسد الآذان بالقطن الأسود، يعلي الشاعر صوته موجها نداءه إلى أهل ‘بزو’، مفصحا عما يحس به من ألم لايطفئ جمرَه إلا اللجوء إلى القصيدة كوسيلة إبراء..

يصعد فيَ النشيج

وأذرف دمعي في القصيد

عله يتبخر يوما

ص:30.

والشاعر يتجول في حلبة قريته قطعة قطعة ،فكما عدد خصالها أمس واليوم وغدا ،يرحل إلى وادي العبيد ،ليبين بجلاء اشتعال لوعته ومدى هوسه به،ليحفزه على النهوض والجلجلة فيقول له مخاطبا:

انهض أيها النهر الشهادة

وجلجل

فمازال في عزك

بعض النخوة

ص:51.

*- التيمة الثانية: الشعر الوطني

يقفز الشاعر خارج حدود قريته ليطوف بأرجاء الوطن كله ،مجسدا بالمباشر كيف أل إلى الركود،مقتربا أكثر من هموم المواطنين المدفونين في قبور النسيان ،فاضحا سياسة إغناء الغني وإفقار الفقير ،هؤلاء الذين يبعثرون الأموال في اللهو، وينزفون خيرات البلاد دون أدنى حس أو غيرة لبناء الوطن والسير به نحو الإرتقاء.

وطن

سُرِق من جبين الأبرياء

ليُقتَل في جيوب الأثرياء

ص:59.

ومن نفس الصفحة يقول:

ويوزع هدايا

على خواصر

وصدور البغايا

فالشاعر ينبهنا إلى بعض القيم التي سارت نحو التلاشي، من ضمنها قيم المواطنة، وهذه صرخة واضحة تترجم رفضه الحماسي لتدفقَ خيرات الوطن نحو الغرب، باعتبارها ليست مجانية وإنما هي نتاج شقاء أبناء الوطن وتعبهم …

جذوره تشق جلودنا

لترتوي بالدم

وثماره تدلت

في بلاد العجم

ص:60

. ويلتصق أكثر بالمهمومين جنبا إلى جنب ،حيث يقف على تعاسة الجائعين ،الذين أصبحوا يرون في بلاد الغرب مصدرا لعيشهم الرغد ،تجاوزا لوضعية القهر القاتلة ،فيبحثون عن ثمن الهجرة الذي هو ثمن حتفهم ،ليحققوا حلما اندفن أمس في وطنهم …

زمن البلاد توقف بالأمس

ليولد زمن الغرب

هالة على الصدر

وركبنا قارب الموت المؤجل

بالفرح المؤمل

الأنوارمن شاطئ الحلم تشتعل

ص:64.

وهذه الآلام المجتمعة جعلت الشاعر يصدح بأعلى صوت لما يصيب الوطن من جرح ،حين تتكاثر خطب فارغة من محتواها لاهدف منها ولامقصد ،وكلام ملفوف على الهواء لايسمن ولا يغني من جوع،فيتمنى لو يعود إلى بطن أمه لأنه

ومن أفواه ‘السادة’ خطب

على جلد الجياع دبّجت

تغازل أحلام الناعسين

ص:67.

ويقول:

لا أحتمل جرحه

من ذا الذي يعيدني

إلى مائي الأول؟

ص:68.

يصل الشاعر قمة الإحباط ،فيتوجه بالتوسل إلى حادي العيس بالتمهل ،حتى يلملم نفسه للرحيل في الصحراء الشاسعة ،والمقصود هنا الفراغ الممتد ،واتساع المدى الذي يحيط بالشاعر الراحل في غربته وانكسار الذات، فاقدا كل المسارات ، تائها عن جميع الطرق ، ولايدري أي مسار يمسك للوصول إلى وضع أنيق…

ياحادي العيس تمهل

إلى أين تمضي

وهذه الرحلة لاندري ‘أرحلة الشتاء’

أم’ رحلة الصيف’

ص:70.

وكما يصدح الشاعر بجرح وطنه ،ويعدد المآسي الأليمة غير المحتملة ،لايلبث أن يزخر ببعض المدن الجميلة ويفتتن برونقها ،ويعتز بحقبتها التاريخية المتميزة ،ويبتهج بعمرانها الخالد ،ويتغنى بمدها الثقافي ،ذاكرا بافتخار مؤسسها إدريس الأول… عن مدينة فاس يقول:

تدفقت فاس

من شرايين إدريس

رحل إدريس

ص:74.

*- التيمة الثالثة :الشعر القومي أو الشعر:

تخطى الشاعر في عبور حماسي نحو الأمة العربية بأسرها، متحسرا عن قيم الحب والروابط الجميلة بين العرب التي آلت نحو الأفول

خاصة بين الأنظمة ، فالشاعر أرهقه الواقع المبتور، واكتوى بنار النرجسية التي سادت في النفوس ،حيث أصبح الحكام العرب يتخاذلون ،يغمضون الطرف عما يجري بين الشعوب من وضع منشق ،غير مهتمين بالجياع، والمهمشين والفقراء …

يقول حاكم العرب

‘كيف يأخذكم العجب

وأنا سادن الكأس والطرب

ص:82

ويقول من نفس الصفحة :

أنسى سياسة الضجيج

وأنين جياع شعبي

من أهزلهم ليل الكد

وفي إصرار عنيد يتوجه بنا الشاعر إلى الصخرة التي قسمت ظهر البعير ، ليحط رحاله في الأرض العربية بفلسطين، راكضا بين تخومها، في جولة تطلعية بين مدنها ،مستعرضا خصال كل واحدة على حدى ،فيبكي رام الله التي أنطقت الحجارة بالغضب والشهادة والنزيف، من لدن الأطفال لكنس الفجور..

وأنت رام الله

غيمة تمطر أطفالا

يخرجون من الماء

كما اللؤلؤ من محاره

ص:87

ويقودنا إلى غزة يمجد عزلتها وخنقها والتضييق عليها من طرف العدو ،والشاعر يصر على انتهاء الحصارمهما كان الأمر ،لأن كل الطرق تؤدي إليها..

كل الطرق تؤدي إليك غزة

لو سيجوك بالبحر

وأغرقوا كل المراكب

ستركبين الكبرياء

ص:88.

ويمر إلى حيفا ليصف لنا صمودها القوي في مواجهة النكبات، مُلحّا على أنها سترى النور يوما ، ما دامت هي القاعدة لتي انطلقت منها الفتوحات..

غابة من مطر حيفا

وبحر من الصبر

ومنبر لآيات الفتح

ص:89

وهذه يافا يهمس لها أن أطفالها العصافير، سيأتون بغد مضيء وتنجلي الحسرة والأحزان والدموع، ثم ترحل أشباح الغدر حين يأتي النصر…

وتفر من أسمنتك يافا

من حديدك يافا

أشباح الغدر

ص:91

ويقول

من خيامك يافا

آلاف الطيور

يعرشون على أغصان النصر

ص:92.

ويمجد الشهادة في أريحا وشجاعة أبنائها المناضلين ومواصلة المقاومة إلى آخر رمق..

وعلى أنامل أبنائها

بنادق وزهور

و’أريحا ‘

إذ تصهل

ترتفع الحوافربالغبار

ص:93.

وتأتي نابلس المدينة التي تهيئ نفسها للزمن المقبلن لتتربع هي الأخرى على عرش المشاعر ،فتحظى بنصيبها الأوفر من الشعر، فشبهها كعذراء تهيء لمرحلة الولادة لتستقبل رضيعها …

عذراء تعانق الحلم

تغزل لمولودها القادم

من خصلات ضفيرتها

سريرا

ص:94

اماجنين فيصفها بالنظرة المشدوهة ،والقبلة المسروقة من ثغرمعشوقة ،متحسراعما خلفته فيه من جراح..

كالقبلة المسروقة جنين

من ثغر معشوق

المزيد


التالي