الأديبة المغربية مالكة عسال

مرحباً بـكم بـموقع الأديبة المغربية مالكة عسـال


متى نأكل تفاحة آدم

أغسطس 23rd, 2007 كتبها مالكة عسال نشر في , إصدارات قيد الطيع

 

جمرة في الماء ملفوفة

إلى فلسطين الحبيبة

إلى أبنائها الذين يشعلون فتيل التناحر في ما بينهم ،ينخرون أسوارها من الداخل ليسهلوا على الغزاة

تدميرها من الخارج .. التحموا.. حرروها أولا ..وبعد، لكم اليد الطولى في السياسة ..

أيتها المنكفئة في تَرعة الجراح

آكلة لحم أبنائها بالتناوب

أين مرق الأمومة بالندى طافح؟

الوجوه الباكية

تتساقط على قدميك

دِيستْ ملامحها

وأنت صابرة تمضغين قدرك

يا أميرة في قلائد الحزن ملفوفة

خطفَ الغرباء تاجكِ

واختبؤوا وراء الجرح

يتقاسمون ماء عينيكِ

تتطاول أيديهم لإمساك خصلتك

بك نحون التلاشي يُعجلون

يزرعون

بين أوجاعك الأوبئة

على عتباتكِ المقدسة

يفرخون طيورا

ليست من نفس الفصيلة

من لحم بعضها تُهيئ الولائم

والبحر يفتح شدقيه

ليبتلع الجماجم

في كبدك يحفرون

طريقا إلى الحريق

يُحدِثون في الأرجاء شقوقا

تملؤها الريح

ينخرون رمانتك

يتجاذبون لبّها الأسمر

بين نهديك

يَشِمون أسماء الغرق

أمي مرضعتي بالتبني

المخلوعة من عرشها الزيزفوني

بين زوابع جامحة وأسوار منتهكة

تنذبحين بالبلبلة

أيقظي أيقظي

من نعاسِها الطويل نسورك

قولي لها

غيري سرير الخطو

احقُني الاتجاه بالشموس

قولي لها

اتركي الوزيعة للغد

حتى

نستل من فم الذئب قماشنا

نُلملِم الصناديق المبعثرة

ونُشعِل

في الدروب المنطفئة الأقمار

قولي لها

حرمة المقاصد التي

فجّرتها سماوات الخطيئة

تلاشتْ بين البروق والغياب

بين الطرح والجمع في الحساب

تاهت عن سكناتها المنشودة

أي أمي

مرضعتي بالتبني

أشواقي إليك ِظامئة

أنذرها في الحقول بنفسجا

في كفي روح إصرار

في قلبي صلابة جدار

في عيني موانئ ومنار

مُقبلة إليك في عريي

على شفاهي

أطيار وأشجار وأنهار

وشمس نسجتُ حصيرَها

من حصاد مريع

أضع في معصميك خلخال جبر

أفتّتُ حمحمة

دفّقتْها حملة منعولة

مُقبِِلة إليك

ولو الزمن

ليس طوعَ البنان

أفكّ عِقالك

أُلبِسك ثوبا أبيض

على جبينك أشدّ شواطئ

تحمرّ وجناتِها كلّ عيد

أنصرف وانت

جمرة في الماء مشتعلة

بتاريخ10/12/06

زمن الذبح

أتى زمن الذبح

زمن المزاجر أتى

على الوجنة الهادئة

يَبصُم قبلة الرعب

مِن عنقه تتدلى مقصلة

تزحف نحو الرقاب

تلفُظ من جوفها من مشانق

تفتح الأفواه

لتقضُم لجين الأدمغة الحارقة

تطفئ العيون الجريئة

بين كعبي المقصلة وِهاد

تَمُد عروق الموت

تحفة نادرة

فصل الرؤوس عن الأعناق

الرؤوس

أينعت وحان قطافها

الأوردة

نبضت وحان قطافها

هو الزمن المثقوب

المملوء بالجراح

في الواحات

يُشَيد جدار الرهبة

من ملامحه

تقطر أعمدة ومقصلة

اشتد به السُّعار

يتوغل ..يتوغل

ليقتنص من الناهض الشروق

…..جلجامش.. ياجلجامش…………………………..

مازال فيك بعض البهاء

شُقّ جنوح الإطناب

في كل منحى أصابه البوار

ابذُر تمور الشموس

هذا زمنُك

لاتدعْنا نحترقْ بغازنا

هاتِ عطرك نخفرْه

أو به نغسل الجماجم

هاتِ فرحك

أوزعه على الحزانى من الدروب

هاتِ عشقك

أنثره على الحالمين من الشعوب

أنتَ استعارة

أنتَ وهج

أنتَ إثارة

أنتَ شهادة

لها في القلب توقيع

يافارس العصيان

لن يُغمِض عينيك

مطلعُ النهار

……………………..

آشور .. يا آشور

زمن

أقبل بالخطيئة مُلثّم

جلجلْ

مازال في رأسك بعضُ النار

هذا زمنك

نَزَلَ الكيدُ

والحق كان زهوقا

فالدار أهلها

مَنْ يضيء المنار

انهض

ففي نبضك

يَرِن غضب الثوار

لملم قدميك

احمل عشبك وريحك

تصدّ لزمن أتى بالخسارة

من الحلاقيم يستل الرعشات

نحن هنا قرب الجسر

ننتظر القيام من الركوع

لزمن..

أَلِفَ فينا الخنوع

على رؤوسنا ينصب المشانق

يوغل الكآبة في الأجواء

انهض

لتُقلع من المهاوي كل القنوط

……………………………

بغداد .. يا بغداد

أما تعقّبكِ

زمن أدمن صلاة الفجر

بدماء البشر يتطهّر ؟؟؟؟؟؟؟؟؟

زمن يمشي فيه البترول ساخنا

سلطانا

يَسجُد له الجُلواز

يدهس عظام الأطفال

ليلثُم كتفيه

يهَشّم كالمحارب حقول الأضواء

بينه وبين الأوطان

جثة رعب ممَدة

أي جناح

يجتاز المدى مكسور

أية قدم بُترتْ

إن حاولت العبور

الموت .. الموت

يتفرخ في الجنبات

مشانق.. مقصلة

من يتنحى عن السرب المألوف

أو ينبُش بحر الفساد

فلينتظر الجلاد

……………………….

بابل.. يابابل

أتى زمن الفجور

زمن الكآبات أتى

يُشيِّد في كل قوس إمارة

يدحرج كوكبك نحو الضباب

ناسيا في حرير الظلام

تتخفى نسور

تنتظر خلف الحجاب

تنبعثُ من رمادك

طائر فنيق

زلزلي

فأسوارك

ترفرف حماما وفراشات

انتصبي من بُؤَر الخيبات

المزيد


مدن تحت المجهر

أغسطس 1st, 2007 كتبها مالكة عسال نشر في , إصدارات قيد الطيع

قتات الرصيف

أحس بالزمن يطقطق الضلوع،حين ترصفت في محجره كبسولات الألم…اختلس النظر في أرجاء البيت، ولما أدرك أن عيون السكينة مطبقة على كل ركن، تسلل بنوازعه المثقله نحو اللامعلوم، يعرج على محطات النكبات اللاهبة، كلما استل قدما، تتوغل الأخرى في مستنقع بلا قرار، عازما نسيان نومه على الجمر تحت أحلامه الضاغطة، العاكسة للصور الموجعة التي لا تبلى،لم يع ساعتها أن طابورا من البلايا ،على حافة الانتظار فاتحة له الباع، وأفواه التشرد منتصبة له بالمرصاد، لتبتلعه شذرة شذرة؛ أحكم فبضة رأيه المنفجر على حين غرة،وبآخر نظرة بئيسة، ودع البيت الذي احتواه منذ أن تدلى نطفة على سطح الكرة الأرضية، بعوده الطري، اتبع رنين هواه المنفلت من مساره الصحيح على حد اعتقاده؛ وبعد اختيار المكان الأنسب في المدينة الفضلى، حاول شق عدة سبل بحثا عن مجلب للرغيف، وما النصيب غير انغماس الأنامل في الكثبان الرملية، أو ارتطامها بجدار اسمنت، فاستتب أخيرا لإفرازات الزمن المؤلمة، رابضا تحت ظلال البؤس بين طيور الشؤم،ذُرى لإعصار الخريف… غير ما مرة لكزته فكرة الانتحار،وكان يعدمها خنقا بوردة أمل، تنهض من حين لآخر ولو منطفئة…انتظر..انتظر..لعل ابتسامة تطل يوما مورقة من تصدع الأيام، تأتيه بغيمة ساحرة ممطرة ، توزع في أحواض فيافيه قمحا أو قرنفلا؛لما أيقن أن فضاءه مدنس بعبارة عاهرة، وصندوقه مفعم حتى الذقن بالمواجع، انساق لإملاءات ذهنية خانقة ،ليجتث حقبته اللعينة هذه، واجتباء أخرى مفروشة بنغم صبي عبق نظيف……….
على رصيف صدئ منحدر من توزيع مهين ، إثر تخطيط حقيق خال من أدنى اعتبار للإنسانية ، كل مقوماته فوضى وتمزيق على النطاق الواسع…سار في دربه المصطفى ، يلملم شتات أعضائه بملوثات طائشة ، كحجاب مؤقت لواقعه الجارح، وعند الصحو،تنسرب حلقات الألم طازجة على النحو التراتبي، أمرها معانقة مواء القطط بتناغم مع نباح الكلاب…
على شهد الرصيف يحتضن بيض المواجع ليتفرخ من جديد….

أخذت الصنعة الموروثة تتواثب على الأكتاف، لها كموروث شرعي قصبة شاخت جنباتها، وارتسمت على جذعها الأخاديد؛ وصنارة مازالت على العهد القديم، تحتفظ بالذكرى، تتعثران معا في مهنة ؛ تمددت مراسيها عبر ثلاثة أجيال، كما تتمدد بعض الوزارات والرئاسات بالإرث والوراثة..أليس كذلك؟
قبل أن يلثم الضوء صفيحة البحر، وبالضبط عند انسلاخ الفجر من جدار الليل، يتوجه مع رفيقتيه إلى البحر، وحين يترصد موقع السمك، يختار مقعده الصخري، مترجيا القدر الذي قد يرحم أو لا يرحم، بمعية الحظ الذي قد يخطئ أو يصيب، ليجود عليه بطن البحر ، حتى يستطيع مجابهة تراكمات الهم اليومي المتواصل.
هو رب أسرة تتكون من شريكة مثله انزلقت من طواحين البؤس، لمهما الوعد على تجرع الصديد من قواريره الخشبية.. وسبعة فلذات الأكباد مشرئبة أعناقهم، بمناقير مفتوحة كالفراخ الزغب،لتصيد قطعة رغيف تملأ فراغ الأمعاء، أو قماش يستر أجسادهم الطرية ، أما التمدرس والتطبيب فلا مكان لهما في هذه القائمة..أولاد الغيل بالترادف، لم تستطع الأم تحديد النسل:ليس اعتمادا على مبدإ كل واحد رزقه على الله، ولا مبدإ الأولاد هم زينة الحياة الدنيا بل لقصر اليد، جربت حبوب منع الحمل، فكانت الوسيلة متعبة للغاية؛ وعاودت الكرة باستعمال اللولب، فكان الحال أسوأ، فرمتهما وراء ظهرها تحت شعارها الخالد:اللهم الولادة ولا الإبادة… واستمرت بنت فولد حتى تكاثر العدد؛ ومطالبهم طبعا تجنى من ظهر السمك…
كم مرة لطخت عبارات اللوم مسامعها:
ًالفقر والتفريخ إلى أين يا سيدة؟ً
ًفريق كرة القدم وكأن الأولاد سيشيدون لها عريشا في الجنةً.
ً مطالب إثنين أشد صعوبة فكيف بهذا العدد؟ً
أسرة ملوثة في أقبح منظومة، وكأن وسائل تحديد النسل منعدمةً.
رمى صنارته في جوف أمواج تمد رؤوسها كالأفاعي، تزبد وترغد في غضب شديد، يتزايد انتظاره بتزايد لغطها… تتحرك القصبة وحين يجذبها، تخرج الصنارة بسوالف الطحلب، يكتم غيظه ويعيدها ثانية، يترقب، يجذبها، فيجدها أثقل من برميل نفط العراق، تنفرج الأسارير .. يحاول بما أوتي به من قوة، ولما تنفك.. يشتعل الحنق..يرميها ثالثة بانفعال حاد، ويقسم ألا يخرجها إلا وسمكة ضخمة في حوصلتها…يحاصره التعب تخور قواه، وغفوة جميلة تلحس جفنيه في لطف دافئ، فيرحل في يخته العظيم، في بحر كالحصير متواضع، وفضاء وضيء ينحني له إجلالا… من غرفته الأنيقة يصعد مزهوا بنفسه بلباسه الكلاس ،وسيجاره إلى سطح الباخرة، يتهادى كالأسد وسط البحارة.. يرمق العمال في حركة دائبة، شباك ترمى، وأخرى تخرج طافحة، تتعاقب عمليات الإفراغ في الناحية الأخرى، حيث يو جد معمل يحسن التصبير..ينفث رماد سيجاره بابتسامة كالزاوية المنفرجة.. والسمك يتقاطر ويتقاطر، من الأفق، من السحاب ،السمك ينط من الموج،ينط من الباخرة، الشمس سمكة، الطيور سمك، الرمال سمك، السمك يبتسم ،السمك يرقص ، السمك يطير،السمك بين قدميه ،ـ السمك على كتفيه، السمك فوق رأسه، الدنيا كلها سمك..يبعث دخانا من سيجاره ،فيرسم سمكة كبيرة تقفز في البحر، يتطاير الرذاذ..ولما يفتح عينيه،يجد القصبة تطفو بمسافة ، يتعذر التقاطها.

 
 ولم يحرق شهادة الدكتوراه

في قمقم ذهنه ،اشتعلت فكرة تخطي سور العتمة،الذي امتص سنوات عمره، إلى مرفأ أوربا المضيء؛حيث العمل موزع في السلل، وفضاء الدراسة بسلاسل الزنابق مفروش؛كان ذالك إثر فشله في أكل الطيب من ثمرة عمل، يحصل عليه بشهادة الباكلوريا، أو دبلوم المعلوميات؛ وحين تجرع كؤوس اليأ س في المحاولة الثالثة بشهادة الإجازة، سقط الأمل بين يديه كعصفور ميت من الشرفات المنظورة، فنفذ الفكرة؛ إذ أصبح تحت مظلات أوجاع الغربة ،لحظة افتراس بين ندل المقاهي،ومسح السيارات، وبيع الورد تحت الأساقف، مع الإمساك بناصية الدراسة بالطبع……….
توجت عودته بشهادة الدكتوراه في كف، وفي الكف الآخر جوهرة العمل في أبهى بريق كما تصور … اجتاز مباراة التدريس بالجامعة، بناء على لمحة خبر في أحد أعمدة الجرائد، كان بمفرده المترشح لها؛ ولما رفع الغطاء عن طبخة النتائج؛ قفز على اللائحة اسم آخر !….

يقبل جبين أمه،يتقدم بخطوات حزينة نحو الباب وأمتعته على الساعد؛ يتفرس في صورة أبيه، يستحضر ما تكتنزه من تحف وطنية رائعة، كتبت مراسيمها على خد التاريخ بماء الذهب، ووشحت بآيات التقدير ، يدقق النظر في الملامح جزءا جزءا: القسمات وما تجمعه بين ألاجنحتها، من ذكريات مجبولة بالألم ،العينين وما وراءهما من نظرات ثاقبة تندي بالعطف، والحب، الأنف وما يشتم من روائح الظلم العطنة المتطاولة بلا حدود، الفم وما يقذفه من صيحات احتجاجية، رافضة الاحتلال، وانتزاع النفيس خلسة!…
تحترق صفحات الذكرى تباعا..ثم تتوقد ثانية، لتحريك جمر المواجع من جديد.. يبسط عينيه ثم يرفعهما بزفرة مشفرة حارقة ..فيتراءى له الأب بأنامله يصفف خصلاته ، وبراحته الأخرى يمرر لمسات لينة على جبينه وخدوده،ليسكب دفعة واحدة حنان أبوة ، باتت مشروخة بقسم محفور في جدار الروح، حتى آخر ورقة….بعد عناق وتقبيل مدغمين بمسحة أشجان، ينسل طوعا من بين المشاعر، إلى حيث الوطن ينتظره، ليحمله على الأكتاف شامخا، وبعطره يغسل مدنه العارية وأمام بيوته يوزع الزنابق…ينبري بين القذائف..يتوارى خلف المداخن..يظهر كلمح البرق بين السحب الداكنة..يسف الرمل:الرمل الذي يحتضن رفات الأجداد مخضبا بدمع الجدات، غير مبال بأ قراط الصواريخ المنهالة على هامته.. يتجه نحو شارة النصر المطرزة بألوان قزحية.. كان يلهث خلفها ليرشف عسلها النظيف، ومن بين المجرات يأتي بالشمس في ثوبها الخفيف، لم يكن يعرف للعناء سبيلا ولا للرضوخ معنى.. يمتطي الصهوات الشائكة ويقتحم الدروب المقفلة، لم يكن يخاف خفافيش الظلام.. فالعزة تسري في النفوس كما الأوردة..والوطن على الرموش يزهر.. هكذا كان الوطن ينبت في جسده غصنا غصنا، ويتفرد بتلة بتلة..مذ أن كان طفلا، وصوت القذيفة يضجر سمعه، والرعب في كل واد يهزه من رسغ القدم حتى الفرائص… فهو لم يختر الجندية إملاء أو قصرا، بل الفكرة مخفر ة في جرار الطفولة، لما كان يلعب بين جماجم الأطفال،بقدميه يدوس سلاسل الدماء، ليحمل جريحا في ساعفة، أو مع الزملاء!…لما كان يستسيغ اللقمة مرشوشة بعظام الأبرياء، والرشفة بمسايل الجراح.
كبر في نفسه الألم، وكبرت معه تماما أو أكثر، عزيمة الغطس في حمم الجندية، حاملا في راحته تفاحة روحه، وفي الراحة الأخرى حاملا بريق الوطن!…
يطأطئ رأسه إجلالا، فتلوح له ذكرى، ترعش كيانه بصورة أكبر..لما يسمع صفارة الإنذار، ويندس في الأقبية مع الفارين بجلدهم من الموت المباغث، بين الحين والآخر ليقضم الأرواح..هو الموت يجري ويركض من الخلف دون توقف.. يرفع عينيه إلى أمه سائلا:
أنموت الآن مثل أبي ياماما؟
فترد بهلع شديد:
- لا أدري؟
- أنا لا أعرف شكل الموت.
-وأنا أعرفه بكل الأنواع: الأبيض- الأسود-الخشن- الناعم وهلم جرا… يهاجم كالإعصار، فيزرع بين النخيل طفيلياته المرة، ونحن يابني لا نريد موتا رخيصا ..
ذكرى تومض لحظة وتتلاشى أخرى..يغرق في صوت القننا بل… تلوح فاجعة الأب اغتيال الأخ الصغير في الحضن..ساق الأم المبتورة..الجثث المتفحمة، تراكم أخرى في المشرحة، المقابر المرسومة في قمم السماء بألسنة المداخن..كابوس مزعج لقاذفة ، استفزت راحته بالتحليق فوق رأسه، كالعجوز بشعر أشعت،وأذنين طويلتين، تتعالى قهقهاتها الساخرة تمد ساعدها إليه ليرحل معها، يلطمها بكفه فتتناثر أشلاء!…
يلتفت إلى أمه.. يلوح لها بيده ثم يخرج…….فتطلق زغرودة!

عرش بلقيس

ٌٌتسللتَ إلى الحانة، وبعد التراشق بكلمات سرية دقيقة تفقد عذريتها تحت المجهر؛حملت ماتحتاجه من قوارير الخمر،واقتنيت مستلزماتها، ثم امتطيت شاحنة مشغلك بمعية صديقتك، توا إلى المكان حيث رفقاء الوعد ينتظرون…المكان الذي اعتاد مجيئك ومن معك، لتفرغ في أفواهه عاهات أفرغها قبح الزمن دفعة واحدة، فتكدست تحت الضلوع…. تطوي أو تردم جراحا معتقة منذ الولادة، علقت بظهرك كالإرث المحظور، تدائب في الكبد على الحفر بالمعاول،فتسيل دمعا مالحا ليخربش فضاءك، ويعتم مسيرتك، فتنصهر البداية في النهاية، وفي آخر المطاف ينشرك قصة مغلقة في طريق تتكثل بمسارب التيه…اتخذت وأصدقاءك الصخور مقاعد؛ تتقابل العيون جاحظة، تتوالى مجازات الانتظار،ولهفة جامحة تدفع الأنامل إلى ملامسة القارورة، وبفتحها تستأنف مطاردة شبح الزمن، وغرس غصن الروعة في جثته،بفتحها تنبش في القدر، لتدفن الأثقال المطولة،وبالتالي تسقط الأوزار المحمولة على القفا !…يندس الحلم في رغوة كلام حين تحلق الكاس الأولى في الأجواء، لتصافح جفاف الشفاه المَضنية ، وتفرغ حمرتها في الحلوق الشاحبة ، فيسري دفؤها عبر الشرايين والمسام، لتصب بردها على المشتعل من الألم حتى تطفئ لهبه الحارق…ترفرف الكأس الثانية، فتضيف شحنة زائدة ، يتكهرب الدماغ ، تطير بك فراخ النشوة، تخترق الأحجبة الممتدة ، فتصبح الصخرة عرش بلقيس، والمستنقع مسبح كيلوباترا ، والصحراء واحة نخيل، والغراب كناريا وأنت ملك الكون ، تسوي جلستك البهية، وترخي أطناب جسدك لنغمة قزحية، تطفو بك في الآماد النائية…فتشتعل بيارق الشهوة ، لشيء مفقود لاتدري ماهو؛ ومن أعاليك تتدلى كتلة مرتخية تتأرجح بين خصلات الريح، تريد ولا تدري ما تريد، أو تريد ولا تريد في آن واحد …تسري فيك قوة عملاقة قد تفتت العالم في غضة طرف كقوة "الهيلك " تماما أوأكثر، فتجتاحك رغبة مدهشة تعلن في الخفاء مسح هذا الدرب العكري بجرة واحدة، وقطع أواصر عفونته الشاقة، ثم تشييد صرح فسيح بحلل رائعة، لتعيش عيشة راضية مرضية، في فضاء أنيق لا يمسه إلا المتطهرون؛لقد صرت نبيا تلك اللحظة بفتوى الصواب-هكذا بدا لك- وأنت ساعتها لا تعرف الصواب من الخطأ !… وقت قصير يمر فتنسل تحت عيون الليل المُطبَقة إلى الشاحنة، على غفلة رفاق يطربون لحفيف هبات النسيم المتلاحقة ، يرشفون لبن الخدر قطرة قطرة ، غير مبالين، تائهين في فتور قدسي لا محدود…تمخر عباب الحلكة في اتجاههم ، لتبتلعهم مدغة واحدة…تعالت صرخة إنقاذ مرتابة لينفذوا بجلدهم..ففر الكل من موجة القتل المباغثة…
…..هنيهة وينزلك الشرطة مغلول المعصمين؛ والبنت بين العجلات في كفنها الاحمر ، تتجرع آخر رشفة !…

 

 محاولة انتحار
صار العالم في عينيه بحجم خرم الإبرة ،أخذ يبحث عن أداة الحصر، لحياة مطاويها كرات نار،تحترق فيها غابات اللوز: شفرة حادة، جز الشرايين ،وينتهي الأمر….في تصور مدهش خَبر رعب البداية، حرارة الألم ، الجثة ، الشرطة،الصياح العويل،تمريغ الأم وجهها في الدماء. فغاص في ذكرى يوم كانت تنتظره بباب المدرسة، تنتشله من زحمة الصف، تتأبط المحفظة مفسحة المجال لانعتاق الظهر من قيود الأحزمة وخشونتها…معتكفة – بما تمليه عليها الأمومة – على تلبية حاجياته .. حين تلحظ على وجهه مسحة حزن ، تبددها بقبلة تفتح حقول الفرح…نهض من تل الذعر الشديد ، أقلع عن فكرته بوسيلة أخرى أرحم:حبل جديد،مكان الربط، شجاعة، أول خطوة ،وينتهي الأمر. تداخلت هذه الأشياء المعقدة في شبكة دماغه العنكبوتية، فتعطل الحل..انتهى أخيرا إلى شكل آخر أرقى وأسهل: أقرا

المزيد